الشيخ الطوسي
350
التبيان في تفسير القرآن
إنما هو ما يفعله صاحبه وله طريق إلى العلم بدلا منه مما يعمل عليه ، فهذا ظن محرم لا يجوز فعله ، فأما مالا سبيل له إلى دفعه بالعلم بدلا منه ، فليس باثم ، فلذلك كان بعض الظن أثم ، دون جميعه ، والظن المحمود قد بينه الله ودل عليه في قوله ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) ( 1 ) : يلزم المؤمن أن يحسن الظن به ولا يسئ الظن في شئ يجد له تأويله جميلا ، وإن كان ظاهره القبيح . ومتى فعل ذلك كان ظنه قبيحا . وقوله ( ولا تجسسوا ) أي لا تتبعوا عثرات المؤمن - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - وقال أبو عبيدة التجسس والتجسس واحد وهو التبحث يقال : رجل جاسوس ، والجاسوس والناموس واحد . وقيل للمؤمن حق على المؤمن ينافي التجسس عن مساوئه . وقيل : يجب على المؤمن أن يتجنب ذكره المستور عند الناس بقبيح ، لان عليهم أن يكذبوه ويردوا عليه ، وإن كان صادقا عند الله ، لان الله ستره عن الناس ، وإنما دعى الله تعالى المؤمن إلى حسن الظن في بعضهم ببعض للألفة والتناصر على الحق ، ونهوا عن سوء الظن لما في ذلك من التقاطع والتدابر . وقوله ( ولا يغتب بعضكم بعضا ) فالغيبة ذكر العيب بظهر الغيب على وجه تمنع الحكمة منه . ويروى في الخبر إذا ذكرت المؤمن بما فيه مما يكرهه الله ، فقد اغتبته وإذا ذكرته بما ليس فيه ، فقد بهته . وقوله ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) معناه ان من دعي إلى اكل لحم أخيه فعافته نفسه ، فكرهته من جهة طبعه ، فإنه ينبغي إذا دعي إلى عيب أخيه فعافته نفسه من جهة عقله ، فينبغي أن يكرهه ، لان داعي العقل أحق بأن يتبع من داعي الطبع لان داعي الطبع أعمى وداعي العقل بصير ، وكلاهما
--> ( 1 ) سورة 24 النور آية 12